الموقع الرسمي للشيخ الدكتور راشد بن مفرح الشهري

404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة

الخميس، 3 أغسطس، 2017

التخبيب والتحريض

المشاهدات :

التخبيب والتحريض

خطبة الجمعة للدكتور راشد بن مفرح الشهري بمسجد عبد الله بن عمار

      الحمد لله الكبير قبل التكبير، الخبير العليم بما في الضمير، المحيط بمعنى عبارة المعبّر، ومغزى إشارة المشير، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} أحمده وهو بالحمد جدير، وأشكره ونعمه فوق شكري بكثير.
أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ولا شبيه ولا نظير، له الملك والذين يدعون من دونه لا يملكون من قطمير.
    وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله البشير النذير، والسراج المنير، كان له ربه خير ظهير ونصير، فنعم المولى ونعم النصير r وعلى آله وصحبه صلاةً وسلامًا تصلنا بجواره، ونعم الجوار للمستجير.



عباد الله الكرام، حديثنا عن ذنب من الذنوب شديد، وعامل من عوامل التهديد، معول في الفرقة متين، وحديث من أحاديث الخلاف عريض، كم شتت من قرابة، وهدم من صداقة، وكم فرّق زمالة، وكم آلم من أسرة، وكم يتَّم من طفل، وكم فرّق متحابين، وشتت مجتمعين، وأوقد النار بين المتآلفين، والعجب أنه ليس عدوًا دومًا، بل ربما صديق أو قريب، أخ أو ولد أو حبيب.
فالعدو يفعله عمدًا و قصدًا، عداء في صورة النصح {بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ}. والصديق يفعله غفلة من غفلات الصالحين، وكلمة من كلمات الجاهلين.
ألا إنه -عباد الله- التخبيب، نعم التخبيب، وما أدراك ما التخبيب! إنه التحريض والتحريش والإفساد بين الأحبة والمؤتلفين، والأسرة والأقربين، المخببون فرّقوا بين المرء وأخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، بل بينه وبين فصيلته التي تؤويه. بكلمة أو رسالة، أو همزة أو عبارة، لا يفتأون حتى يفرّقون ويمزّقون.
اسمعوا لرسول الله r وهو يخبرنا عن خيارنا وشرارنا «ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى. قال: الذين إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله، أفلا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى. قال: المشَّاؤُون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، البَاغُون البُرَآءَ العنت». وفي السلسلة الصحيحة للألباني رحمه الله: «إن خيار عباد الله من هذه الأمة الذين إذا رُؤُوا ذكر الله تعالى، وإن شرار عباد الله من هذه الأمة المشّاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت» رواه أحمد والبيهقي وصححه الألباني.
أيها المحرض للأحبة المخبب للأسر، لست من أتباع رسول الله r نعم لست من أتباعه، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منَّا من خبَّب امرأة على زوجها، وليس منَّا من خبَّب عبدًا على سيده» رواه أبو داود والحاكم والبيهقي، وهو على شرط البخاري وصححه الألباني. وعند النسائي وابن حبان بلفظ: «من خبَّب عبدًا على أهله فليس منَّا، ومن أفسد امرأة على زوجها فليس منَّا»، جاء في عدة المعبود: «ليس من أتباعنا»، وجاء في فيض القدير: «ليس على طريقتنا ولا العاملين بشريعتنا».
أيها المخبب، احذر اللعنة، احذر الطرد والإبعاد من رحمة الله «ملعون من خبَّب امرأة على زوجها» وكل هذا لأنه تفريق بين متحابين وإفساد للمتآلفين، قال البيهقي: «باب إثم من خبَّب خادمًا على أهله»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «التفريق بين المرأة وزوجها من الذنوب الشديدة»، وذكره الذهبي في الكبير المجلد الثالث والعشرون، والله المستعان.
وأما عن صور التخبيب وألوانه فحدّث ولا حرج، فكم من أم خبّبت ابنها على زوجته، وأكثر من ذلك، كم من أم خبّبت ابنتها على زوجها. تجلس الأسرة فتنتقد الأم زوجة ابنها، فيضيف الوالد كلمة، ويضيف الأخ كلمة، ولا ينتهي المجلس إلا وقد تحمّل قلب الزوج على زوجته، فما إن يدخل منزله إلا ويوقد نارًا، ويشعل لهيبًا، يخاصم زوجته على كلام سمعه، ربما يكون نصيحة أو شفقة، لكن خرج بلغة غير لغة النصح، وصفة غير صفة التصحيح، فأوقد حربًا ضروسًا بين زوجين.
تخرج الزوجة لأهلها أو صديقتها أو صاحبتها وما تعود لبيتها إلا وقد حُمّلت أثقالًا مع أثقالها على شريك حياتها، يُحمّلون قلبها بالأحقاد عليه {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} حتى أصبحت غالب جلسات الأسر لا تخلو من قدح عند زوجة في زوج، أو عند زوج في زوجة.
تخرج المرأة من بيت زوجها على خلاف ربما يسير أو يسير يسير، يكبّره أهلها، أو تضخّمه صاحباتها، أو يزيد فيه زميلاتها في العمل، فيصبح كأمثال الجبال.
كم من كلمة حطمت أسرة؟! وكم من كلمة شتت أطفالًا؟! حتى أصبحوا أيتامًا أو أشد. رب كلمة قالت لصاحبها دعني، ورب كلمة هوت بصاحبها في النار سبعين خريفًا!
اتصل بي شاب قال: إن والدي ووالدتي يأمراني أن أُطلّق زوجتي. قلت: لمَ؟ قال: هكذا! قلت: جاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله فسأله ذات السؤال قال: «لا تطلقها. قال: أوليس عمر t أمر ابنه أن يطلق زوجته؟! قال الإمام أحمد حتى يكون والدك مثل عمر t».
وهنا التفصيل: إن كان طلبهم لسبب شرعي صحيح فلهم السمع والطاعة، وإن كان غيرة أو حقدًا أو نحو ذلك فالسمع والطاعة لأمر الله {وَأَخَذْنَ  مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}.
ومن صور التخبيب: يلقى الرجل عاملًا في محل أو مزرعة فيسأله عن مرتبه وساعات عمله، فيقول لو كنت لديّ لكان راتبك أكثر، وساعات عملك أقل، وربما خبّبه حتى نقل كفالته.
ومن صور التخبيب والإفساد: يغدو المعلم إلى المدرسة راغبًا في مهنته، همّامًا في شرحه، حريصًا في دوامه، فيلقاه المخببون، ويتلقى المثبطون «على رسلك على رسلك، وقد كنا من قبلك، هون عليك» ولا يزالون به حتى يتغير تعليمه، ويقل نشاطه، وتذهب همّته {وَلَيَحْمِلُنَّ  أَثْقَالَهُمْ  وَأَثْقَالًا مَعَ  أَثْقَالِهِمْ  وَلَيُسْأَلُنَّ  يَوْمَ الْقِيَامَةِ  عَمَّا  كَانُوا  يَفْتَرُونَ}.
يغدو الموظف إلى عمله وبه همّة عالية، وجديّة مميزة، وانضباط شديد، وحرص فريد، فيتلقاه كسالى الأبدان، ضعاف النفوس، قليلو الأمانة، «ليس منَّا من خبَّب خادمًا على أهله»، ولا يزالون حتى يضعفون جديته، ويخلون بأمانته، ويأخرونه عن دوامه، وحتى يصبح من أهل المعاذير والتقارير، وخوّان الأمانة.
{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا  فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ   إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.

وما حمل الإنسان مثل أمانة  ..  أشق عليه حين يحملها حملا
فإن أنت حملت الأمانة فاصطبر .. عليها فقد حملت من أمرها ثقلا
ولا تقبلن فيما رضيت نميمة   ..  وقل للذي يأتيك يحملها مهلا

عباد الله، لو قال قائل ما حكم التحريش والتحريض بين البهائم؟ بين شاتين أو طيرين، أو حتى كلبين أكرمكم الله، ندع الإمام النووي يجيب على هذا السؤال، قال الإمام النووي رحمه الله: «يحرم التحريش بين البهائم، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التحريش بين البهائم». رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح. وقال الشوكاني رحمه الله: «ووجه النهى أنه إيلام للحيوانات، وإتعاب لها دون فائدة، بل بمجرد عبث». فإذا كان التحريش حرام بين البهائم فماذا عسى أن يكون بين البشر؟!
إن التخبيب أذًى للمسلمين بل من أكبر الأذى. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}.

الخطبة الثانية :
تخبيب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب: التخبيب عبر الوسائل الحديثة، يهاتف رجل امرأة أو يراسلها حتى يفسدها على نفسها وبيتها وزوجها، وتراسل امرأة رجلًا حتى تفسده على بيته وأهله وولده وعمله وأمانته.
التخبيب بالمدح والذم: فيمدح المخبب نفسه ومعنى ذلك ذم الآخرين، أو يصرح بالذم للآخرين وكأنما يحسّن نفسه.
ومن التخبيب الحديث: التخبيب عبر صور العرض، وعروضات الاستقرام، تعرض المرأة لزميلاتها صور منزلها، أو صور سفرها أو صور هدايا تدّعي أنها أُهديت لها، لتقول هذا زوجها سفّرها وتنقّل بها وأهداها، ولسان حالها فماذا فعل زوجك؟
 أخبرني أحد الثقات قال: أعرف أسرة تفرّقت بسبب عروض زميلتها، سافرت وذهبت وفي الفندق سكنت، وفي الأسواق تجوّلت، وللهدايا أخذت، فلماذا زوجك لا يفعل ويفعل، ولا تزال بها حتى تخبّبها على نفسها وزوجها وبيتها وأطفالها.
الله الله كم من أسرة بالتخبيب تشتت؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون، كم من بيت بالتخبيب هُدم؟! فخرّ عليهم السقف.
حسبك الله أيها المخبّب، اتقِ الله، اتقِ الله، اتقِ الله. في مراسيل الحسن:«ملعون من ضار مؤمنًا أو مكر به». وهو مرفوع من حديث أبي بكر الصديق t عن رسول الله r: «ملعون» نعم «ملعون من ضار مؤمنًا أو مكر به».
قال بعض العلماء: إذا قدمت المرأة إلى أهلها فوسعوا عليها في النفقة، وبسطوا معها في القول فهذا نوع من التخبيب، قلت فكيف بما هو فوق ذلك!
فلنحذر الإفساد والتخبيب، عن أبي بكر الصديق t عن رسول الله r: «لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا منان» رواه الترمذي.
وفعل المخبب كفعل الساحر لجامع التفريق في كلٍ، فكل منهما مفرق للآخر.
 عباد الله، لنتقِ الله، فإن شتات الفرد شتات للأسرة، وشتات الأسرة شتات للمجتمع، و شتات المجتمع شتات للدول، وشتات الدول شتات للأمة الإسلامية.
فتوبوا وقربوا وأصلحوا وآلفوا واجمعوا ولا تفرقوا، فمن خبّب اثنين فليصلح بينهما كما أفسد بينهما.

يا محسنون جزاكم المولى بما .. يرجو على مسعاكم المحمود
كم رد فضلكم الحياة لمانت .. جوعًا وكم أبقى على مولود
كم يسر النوم الهنيء لساهد .. شاك ولطف من أسى مكمود

كم صان عرضًا طاهرًا من ريبة .. ونفى أذًى عن عاثرٍ منكود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الدكتور / راشد الشهري | تطوير : Abu Faisal 0567772728 | تصميم : Abdo Hegazy