الموقع الرسمي للشيخ الدكتور راشد بن مفرح الشهري

404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة

الخميس، 3 أغسطس، 2017

وقد يتأخر النصر

المشاهدات :

وقد يتأخر النصر

خطبة الجمعة للدكتور راشد بن مفرح الشهري بمسجد عبد الله بن عمار

   الحمد لله العظيم في قدرة العزيز في قهره، العالم بحال العبد في سره وجهره، الجائد علي المجاهد بفضله، وعلى المتواضع برفعه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، أحمده علي القضاء حلوه ومره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له إقامة لذكره. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالبر إلى الخلق في بره وبحره r وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان ما جاد السحاب.



عباد الله، إلى الله المشتكى، جسد المسلمين ممزق، وظهرهم مطعون فلا يعلمون أمِن جراح الجسد يأنّون أم من ألم الخداع يشتكون! ففي العراق الرافضة يبددون، وفي الأرض يفسدون، وفي أنحاء الإسلام يمكرون، واليهود في الأقصى يعثون، وأرض الكنانة بالمكر والكيد لهدمها وتفريقها يرغبون، والشام وما أدراك ما الشام، سنوات عجاف، وجروح سيّالة، ودماء منهمرة فيّاضة، ونزيف مستمر، ولكن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، أشلاء ودماء شيب وشباب وأطفال، رجال ونساء فإلى الله المشتكى، ولكن لا يأس في ديننا، فقد يتأخر النصر ابتلاء، وقد يتأخر اختبارًا {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ  الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} هذا رسول الله  r وصحبه فكيف عمن دونهم؟! وهكذا سنة الله في الرسل عليهم الصلاة والسلام {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}، ووعد الله نافذ شاء العدو أم أبى {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}، { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } لكن هذا الوعد للمؤمنين الحق، ومن هم؟ اسمعوا لربكم Y:{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } وقال عنهم ووصفهم Y: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} وقال سبحانه ووعده صادق {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}.
عباد الله، دين الله منصور، ولكن السؤال الأهم هل نحن أهلٌ لهذا النصر والتمكين بإسلامنا وإيماننا وصدقنا ووفائنا وتوكلنا ولجوئنا وإعدادنا وقوتنا وتآلفنا وصدقنا؟
أم أننا ساهون غافلون وبدنيانا منشغلون؟ إسراف وتبذير، وفي الخير تقتير، إضاعة للصلوات، واتباع للشهوات، لم نستشعر أننا في حالة حرب للإسلام،  ليس عدوًا واحدًا، بل أعداء متفرقون، ومن كل حدب وصوب، إننا لننتظر فرج الله على عدوه بالإيمان والتقوى، وجند صالحين مصلحين على العدو منتصرين.

فأنت كسيف الله في الأرض خالد     تصول بعون الله حين تصول
جازيت أصحاب البلاء بلاءهم‌        فما منهم عمّا تحبّ نكول
                                 وصلت بمرّان العراق فأصحبت‌           مناكبها للوطء وهي ذلول‌ 

عباد الله،  لماذا يتأخر النصر؟ يتأخر النصر حتى تنقطع حبالنا بالبشر، ونتعلق برب البشر ونتوكل عليه. يتأخر النصر حتى لا تشيرون إلى الأمم الملحدة والبلاد الكافرة، وحتى لا تنتظروا نصركم من عدوكم. يتأخر النصر حتى لا نتكل على عدتنا وعتادنا ولا على آرائنا وجهدنا وحيلنا {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} يتأخر النصر حتى نعلم أن أمر الله كائن نافذ ولو كره المشركون والكافرون والمنافقون {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} يتأخر النصر حتى نقرأ سنن الكون ونتأمل القرآن، وقد انتهت قصة النمروت وكبره ببعوضة، وانتهى جبروت فرعون بالماء، وهُزم الأحزاب بالريح، وغيرهم بالصيحة، وموجز القصص {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} نعم بأيديهم وأيدي المؤمنين.

                                              وكم ليلة قد بتها معسرًا ولي
                                                                        بزخرف آمالي كنوز من اليسر
                                            أقول لقلبي كلما اشتقت للغنى
                                                                        إذا جاء نصر الله تبت يد الفقر

ولا بد لذلك من صبر عريض..
   
                                              هو الدهر قد جربته وبلوته
                                                                    فصبرًا على مكروهه وتجلدا

وقد أحسن من قال إن الإسلام أعيا أعداءه إن حاربوه اشتد، وإن تركوه امتد.
عباد الله، لننصر أنفسنا أمام ربنا بترك الخلاف والنزاع والبطر والرياء، وعندها نكون أمة منصورة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} .
ولا نصر للمسلمين إلا بعوامل النصر، إذ لا نصر بلا صبر، ولا نصر بلا توكل، ولا نصر بلا ثبات، ومتى ذكروا الله وأطاعوه وأخلصوا له ونصروه كان الفوز حليفهم والنصر رديفهم، ومتى أراد الله شيئًا حققه، وتأملوا ذلك في غزوة بدر {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}.
عوامل نصر نفسية كامنة عجيبة غريبة {وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}، ومن عوامل النصر الإعداد، فأين نحن يا أمة الإسلام من قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} هلكنا حب الدنيا وكراهية الآخرة، وأثقلتنا النعم.
أرسل أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب t جيشًا بقيادة الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص t لفتح بلاد فارس، وكتب إليه عهدًا هذا نصه:
ففي تقوى الله قال له:
 «أما بعد، فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدوّ، وأقوى المكيدة في الحرب». 

وفي ترك المعصية قال له:
«وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدّ احتراسًا من المعاصي منكم من عدوّكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوّهم، وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوّهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدّتنا كعدّتهم، فإذا استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا،لم نغلبهم بقوتنا.
واعلموا أن عليكم في مسيركم حفظة من الله، يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدوّنا شر منّا فلن يسلّط علينا وإن أسأنا، فربّ قوم سلّط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفّار المجوس...».
(وكما سلط اليهود على العرب المسلمين الآن).
وفي الاستعانة بالله قال لهم:
 «وسلوا الله النصر على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم، وأسأل الله ذلك لنا ولكم».
 ومن أعظم وأجل وأكبر أسباب النصر الدعاء، الدعاء، الدعاء فهو سبب كبير، أكبر لغفران المعاصي، ورفع الدرجات، ولجلب الخيرات، ودفع الشرور والمنكرات.
هذا رسول الله في دعائه في بدر يظهر التضرع والحاجة والضعف. فمن ترك الدعاء فقد سد على نفسه أبوابًا كثيرة من الخير، واتكل على الأسباب دون مسببها.

قال الغزالي: «فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له؟! فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فإن الدعاء سبب رد البلاء، ووجود الرحمة، كما أن البذر سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع السهم، كذلك الدعاء يرد البلاء».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الدكتور / راشد الشهري | تطوير : Abu Faisal 0567772728 | تصميم : Abdo Hegazy