الموقع الرسمي للشيخ الدكتور راشد بن مفرح الشهري

404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة

الخميس، 3 أغسطس، 2017

محاسبة آخر العام

المشاهدات :

محاسبة آخر العام


خطبة الجمعة للدكتور راشد بن مفرح الشهري بمسجد عبد الله بن عمار

 الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد لله الذي خلق الأرض والسماوات، والحمد لله الذي علم العثرات فسترها على أهلها وأنزل الرحمات، ثم غفرها لهم ومحا السيئات، فله الحمد ملء خزائن البركات، وله الحمد ما تتابعت بالقلب النبضات، وما تعاقبت الخطوات، وعدد حبات الرمال في الفلوات، وعدد ذرات الهواء، وعدد الحركات والسكنات، سبحانه وبحمده.
الطير سبحه والوحـــش مجــــــدهُ
والموج كبره والحوت نـاجــــــــاهُ
والنمل تحت الصخور الصم قدسهُ
والنحل يهتف حمدًا في خلايـــــاهُ
والناس يعصونه جهرًا فيسترهــم
والعبد ينسى وربي ليس ينساهُ



وأشهد أن لا إله إلا الله، لا مفرج للكربات إلا هو، ولا مقيل للعثرات إلا هو, وأشهد أن نبينا ورسولنا محمدًا عبده ورسوله، قام على رسالته، وقضى نحبه في دعوته، صلوات الله وسلامه عليه.
أما بعد، فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله تعالى، فاتقوا الله رحمكم الله، فحياة الإنسان مراحل، والناس في هذه الدنيا ما بين مستعد للرحيل وراحل، وكل نفس تدني من الأجل، ودقّات قلب المرء تباعد عن الأمل، فالكيِّس الحازم من حاسب نفسه يومًا بيوم، وساعةً بساعة.
فما ترون الناس إلا حيًّا أدركته منيّته فواراه التراب، وصغيرًا بل في سنّ الشباب، وشابّ امتدّت به الحياة حتى شاب، ومن وراء الجميع نقاش وحساب، فهنيئًا لمن أحسن واستقام، والويل لمن أساء وارتكب الآثام، ويتوب الله على مَن تاب {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}.
أيها المسلمون، اليوم يحسُنُ التذكيرُ وما يتذكر إلا من ينيب، وتجدُر المحاسبَة عند قيام المناسبة، ها هي أيام تمضي وأشهر تنقضي، وأعوام تنصرم، لا تشرق الشمس إلا وهي في غروب، ولا يبدأ الشهر إلا وهو في انتهاء، ولا يكاد يبدأ عام إلا وانقضت لياليه وأيامه، وسرعة في الزمن وتسارع في الأوقات، وتقارب عجيب غريب.
وصدق صلى الله عليه وسلم إذ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كإضرام النار».
وفي رواية «واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة الخوصة».
وفي رواية «ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة من النار». رواه الترمذي وصححه الألباني.
تقارب الأزمان كناية عن قصر الأعمار، وقلة البركة في الأزمان أمر ملاحظ في هذه الأعوام لا سيما مع الأمن والأمان، والنعم والأفضال من الرب الكبير المتعال.
الراحة والنعم تجعل الأزمان سريعة، والأيام وديعة، إنما يثقل الزمان وتبطئ الساعات على مهموم ومحزون ومدين غارم ومسجون، وقوم مشردون ومن بلادهم هاربون، ومن الحرب فارون، ومن الجوع مضطربون.
إنما يثقل الزمان على من شرد من داره وفقد زوجه وعياله، تشتت أسرته، وتبدلت أحواله، علته الهموم، ذهب مركوبه ومطعومه وسكونه وأنيسه وجليسه.
مصائب تتلوها مصائب، أولئك سير الزمان عليهم ثقيل. فاستغلوا الأوقات والأعمار فالمسير كائن إلى الملك الجبار.

إلـهي صار يُقلقني ضميري
وتحدو بي لِهاويةٍ ذنوبي
إلـهي إن تُعذبني فإني
ربيب الإثم، والزلات حُـوبي
وإن تغفر عن الزلات ربي
رجائي فيك فرّاج الكروب
لقد حاكت بأنفاسي عِظامٌ
فهل جنبتني جُـلّ الخطوب
إلـهي كيف ألقاك وذنبي
تفارط كثرةً أعمتْ دروبي؟
إلـهي بِتُّ أخجل من لقاءٍ
وأخشى صحيفة رَصَدتْ ذنوبي

قال قتادة في قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًا} أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظًا لماله، مضيعًا لدينه.
عباد الله، ومما هو محل للمحاسبة وموطن للاعتبار، ومحل للادكار، نقص الأموال وتغير الأحوال وتغير الاقتصاد، ذلك من آيات الله في الأرض وهو ضرب من أضرب البلاء {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ وقال الله عز وجل: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ }.
ليبلوكم من يصبر أو يفتر، ليبلوكم من يشكر أو يكفر {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.
سؤال لي ولكم وللأمة والمجتمع: هل نظن بقاء الرخاء ودوام النعماء وعدم تحويل الأحوال إلى أحوال
ومنا من هو غارق في الإسراف والتبذير في حاله وأهله وبيته، ومنا من سلك بالنعم مسلك التفاخر والترف والمباهاة والمضاهات، في المناسبات مرة وفي الأسفار مرة؟
نظن بقاء الرخاء وزوجات على أزواجهن ناشزات، وبالترف مترفعات، وبالنعمة زاهيات، وفي البيوت مطلقات، أفسدهن الرخاء!
نظن بقاء الرخاء وأزواج فرطوا في أولادهم والزوجات والبنين والبنات، والدافع الانشغال بالأصحاب في الاستراحات أو متابعة التجارات!
أتظنون بقاء الرخاء وانشقاق الأبناء والبنات عن الأسر والقرابات والداعي هو الترف؟ رخاء فرّق بين الأخ وأخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه.
رخاء ومن أجل التوسع وأن يعيش الثراء، الفقراء تحمّلوا الديون تلو الديون، وولجوا في شبهة الربا
«درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد من ست وثلاثين زنية» رواه الإمام أحمد.
أيدوم الرخاء؟! ونحن إن نقصت دنيانا غضبنا، وبأحوالنا تغيرنا وحزنا، وإن نقص ديننا فالمحزونون قليل ما هم.
أيدوم الرخاء؟! وثمة من يستهزئ بالدين ويذهب لساحر أو كاهن أو مشعوذ.
أيدوم الرخاء؟! وعلى صفحات الشبكات العنكبوتية يظهر مجاهرون، وملحدون، وتكفيريون، ومارقون، وللذات الإلهية منكرون {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
فالحذر الحذر عباد الله، والتوبة والاستغفار والأذكار {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.
{قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ}.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه يزدكم إنه هو الغفور الرحيم.
عباد الله، ومما ينبغي الحذر منه أن تتغير أحوال المسلمين، دول تنزل، وأحوال تتغير، ومسلمون بالآلاف يموتون، وربما لا يؤثر ذلك في حاله أو لا يأبه به، فإذا فقد دنانير وريالات ونقص عليه من رزقه علاوات تأثر لذلك أيما تأثير، مع وفرة في الانتقادات. قال ابن عقيل الحنبلي: «من عجيب ما نقدت من أحوال الناس كثرة ما ناحوا على خراب الديار, وموت الأقارب والأسلاف، والتحسر على الأرزاق, بذم الزمان وأهله وذكر نكد العيش فيه! وقد رأوا من انهدام الإسلام وشعث الأديان، وموت السُنن وظهور البدع وارتكاب المعاصي، وتقص في الفارغ الذي لا يجدي، والقبيح الذي يوبق ويؤذي، فلا أجد منهم من ناح على دينه، ولا بكى على فارط عمره، ولا تأسى على فائت دهره، وما أرى لذلك سببًا إلا قلة مبالاتهم بالأديان، وعظم الدنيا في عيونهم» انتهى من "الآداب الشرعية".
عباد الله، بلادنا اليوم ووطننا اليوم أحوج ما يكون لرجال صادقين واقعيين صدقوا ما عاهدوا الله عليه،
قوة وأمانة وتضحية وعطاء وتفانٍ ومسارعة وخدمة واقتدار، نبذ للكسل، ومواجهة للتحديات.
بلادنا اليوم يحيط بها الخطر من كل مكان، ويرميها القاصي والداني بكل قوس فتان، ويحسدها القريب والبعيد على الترابط بين شيبها والشبان.
التضحية للأديان والأوطان لا تقف عند مال يحسم، بل عند مال يضحي به فيزول. لا تقف عند الجهاد بالمال بل الجهاد بالنفس دون دينكم وعرضكم ووطنكم. {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}
ﻛﻨﻮﺯ ﺍﻟﻤﺠﺪ ﺗﺮﻏﺒﻬﺎ أﻧﺎﺱ
ﻭﺗﻄﻠﺒﻬﺎ ﻭﺇﻥ ﺿﺎﻕ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ
ﻭﺗﺒﺬﻝ ﺩﻭﻧﻬﺎ ﺍﻷﺭﻭﺍﺡ ﻃﻮﻋﺎ
     ﻭﻓﻴﻬﺎ ﻻ ﻳﺮﻭﻋﻬﺎ ﺍﻟﺠﺪﺍﻝ

والاقتصاد الاقتصاد فما بال من أنقصه، هنا تجب المحاسبة والمراجعة والتعاون والتكاتف، وتقدير الأمور والصبر على المقدور، والرضا بما قسم الرب الغفور، ودعاء الله بحفظه من أن تزول أو تحور.
إن الصلاةَ على النبي تجارهٌ
فاظفر بها تنجو من الدركاتِ
صلِّ عليه بكل يوم واستزد

     حتى تفوز بمثلها عشرات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الدكتور / راشد الشهري | تطوير : Abu Faisal 0567772728 | تصميم : Abdo Hegazy