الموقع الرسمي للشيخ الدكتور راشد بن مفرح الشهري

404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة

الخميس، 3 أغسطس، 2017

الصيف بين الإباحة والتحريم

المشاهدات :

الصيف بين الإباحة والتحريم

خطبة الجمعة للدكتور راشد بن مفرح الشهري بمسجد عبد الله بن عمار

 عباد الله الكرام، ساعات العمر ماضية، وأوقاته متسارعة، ودقائقه متلاحقة، ما يبدأ اليوم حتى ينتهي، ولا الأسبوع إلا وانقضى، ولا شهر إلا وانسلخ واختفى، أعوامٌ تمضي، وأعمارٌ تتسارع، والكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت {مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}، «اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك» هكذا نصحنا رسول الله r من حديث ابن عباس t أخرجه الحاكم وصححه الألباني. قال الحسـن البصري رحمه الله: «يـا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك» ويقول: «أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشدّ منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم».




                                الوقتُ أنفسُ ما عنيتَ بحفظه
                          وأراهُ أسهلَ ما عليكَ يضيعُ

فاتقوا الله رحمكم الله، اتقوا الله واستثمروا أعماركم وأوقاتكم {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}.
أيها المسلمون، الصيف وما أدراك ما الصيف، عمْرٌ من عمر العبد، فقوم استغلوه في رحلة طيبة، ونزهة مباحة، قصد بعمرة إلى بيت الله الحرام، وزيارة للأقارب والأرحام، أنس وفرح، واجتماع وابتهاج في إطار المستحبات والمباحات.
هكذا الصالحون والأخيار والطيبون والأبرار يقضون إجازتهم، يحسبون كل خطوة يخطونها، وكل هللة ينفقونها، يُدخلون السرور على أولادهم وأهليهم، لا يتبعون ذلك منًا ولا أذى، يستمتعون بالصيف لكنهم لا يضيعون الصلوات، ولا ينتهكون المحرمات، ولا يتجاوزون في المنهيات، وحالهم:

                                  يا نفس كفي عن العصيان  
                                                               واكتسبي فعلًا جميلًا لعلّ الله يرحمني
                                  يا نفس ويحك توبي واعملي حسنا
                                                                عسى تجزين بعد الموت بالحسن

أيها المسلمون، وأما من جعل الصيف وبالًا عليه، وبالًا على أسرته، وبالًا على أخلاقه، وبالًا على دينه، وبالًا على ماله، وبالًا على صحته. إضاعة للصلوات، وسهر وإضاعة أوقات، وتفسخ وعري للبنات، وانفلات في الأسر في المناسبات، وتبرج وسفور لبعض البنات، ولبس عارٍ في الأفراح والمناسبات، ونسيان للوعيد الشديد من رب الأرض والسموات «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة t.
أصبحت عباءة المرأة اليوم وحجابها فتنة، فأين وليها وأين الراعي عليها؟! وعن أبي موسى الأشعري t قال: قال رسول الله r: «أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها، فهي زانية. وكلُّ عينٍ زانية» رواه الترمذي والنسائي.
وعيد يتلوه وعيد، وأزواج وأولياء ليسمعون وينظرون ولا ينكرون.
بناتنا في الأسواق والمنتزهات يظللن إلى أوقات متأخرات بلا رقيب ولا حسيب، فلا تدري أهي ثقة زائدة أم ملل في التربية، أم عدم شعور بالمسؤولية، أم لا مبالة في الأعراض؟!
 أضف إلى ذلك طامة العصر وآفة العصر، ومصيبة العصر، وفتنة العصر «الأجهزة الذكية» وما أدراك ما هذه الأجهزة، فتنت الأولياء والبنات وأخذت العقول والأوقات، ضيّعت دراسة الدارسين، وأخلاق المؤمنين، وشتت أذهان الراغبين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
عباد الله، يشعر المرء بالندم ولات ساعة مندم، بعد ضياع أهله وأسرته وأولاده وبناته، يشعر الإنسان بالندم بعد وقوع المصيبة وحلول الكارثة.
هذا طفل صغير اسمه حسام مرّت به قصة مأساوية، قصة مؤلمة، قصة محزنة مبكية، يلعب بالكرة كعادة الأطفال، وقعت كرته الصغيرة على النافذة من غير قصد فتساقط زجاجها، دخل الوالد فشاهد المنظر، اشتاط غضبه، انطلق على ابنه كالسهم يضربه ضربًا مبرحًا، أخذ عصًا من خشب وفقد السيطرة على نفسه من شدة الغضب، فانهال ضربًا على هذا الصغير، تألم الطفل كثيرًا، وبكى كثيرًا، ونام الأب ولما أصبح إذا بابنه لا يزال في معاناته وألمه وقد تغيّر لون كفيه من شدة الضرب، هرع به إلى المستشفى، عندها حصلت المفاجأة، طفل صغير ينتظر الحياة السعيدة ليعيش كأي طفل في سنه، فخرج الطبيب ليقول أن العصا كان بها حديد أو مسامير مسمومة، وأن الحال يقتضي بتر كفي الطفل حسام. اندهش الأب واحتارت الأم، ما هذا الخبر؟! وما هذه الصاعقة؟! أخذ الأب يقلّب كفيه، والأم في حيرة عظيمة، تنظر إلى صغيرها تارة، وإلى أبيه المغضوب تارة، تدخّل الطبيب وقطع حبل الأفكار وقال الكف مسممة ولو تأخرنا ربما بترت الساعد، وربما أدّى إلى بتر اليد كاملة، وربما مات الطفل. لم يكن حيلة أمام الأب إلا الموافقة على ألم في النفس عريض شديد. وبترت يد الصغير وخرج من العملية بلا  كفين، وندم الأب أيما ندم، نظر الطفل إلى كفيه وقال: يا أبي أعد لي اليدين وأوعدك -في براءة كبيرة- ألا أكسر زجاج النافذة!
ألف نافذة وألف فداء لك يا حسام، ألف نافذة وألف فداء لك يا حسام.
لم يتحمل الأب الموقف، ولم يكن من الصابرين، صعد إلى سقف المستشفى وألقى بنفسه ليموت منتحرًا!
ألم شديد يعتصر القلب ولو يُقرأ ويُسمع مثل هذا الخبر، يُعلم أن ثمة أباء يعيشون مع أولادهم بلا رحمة ولا شفقه ولا حب ولا عاطفة.

عباد الله، هل تعلمون أن من فعل بأولاده أشد مما فعل هذا، من تركهم للمخدرات والمهلكات والمسكرات والفراغ القاتل وأصحاب السوء، لم تبتر أيديهم بل بترت عقولهم، بل اختطفتهم الفتن حتى أصبح الابن يُضل ابن عمه بل أمه وأباه، فتن عظيمة ومشاكل جسيمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الدكتور / راشد الشهري | تطوير : Abu Faisal 0567772728 | تصميم : Abdo Hegazy