الموقع الرسمي للشيخ الدكتور راشد بن مفرح الشهري

404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة

الخميس، 3 أغسطس، 2017

مسايرة الناس

المشاهدات :

مسايرة الناس



خطبة الجمعة للدكتور راشد بن مفرح الشهري بمسجد عبد الله بن عمار

الحمد لله الذي زين قلوب أوليائه بأنوار الوفاق، وسقى أسرار أحبائه شرابًا لذيذ المذاق، وألزم قلوب الخائفين الوجَل والإشفاق، فلا يعلم الإنسان في أي الدواوين كُتب، ولا في أيِّ الفريقين يُساق، فإن سامح فبفضله، وإن عاقب فبعدلِه، ولا اعتراض على الملك الخلاق.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، إلهٌ عزَّ مَن اعتز به فلا يضام، وذلَّ مَن تكبر عن أمره ولقي الآثام.
وأشهد أن حبيبنا وشفيعنا ورسولنا محمدًا عبد الله ورسوله، خاتم أنبيائه، وسيد أصفيائه، المخصوص بالمقام المحمود، في اليوم المشهود، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه بغير عدٍ أو حدود.
أما بعد، اتقوا الله ربي وربكم، وراقبوا الله خالقي وخالقكم، وتأهبوا للقاء الله ربي وربكم.
أيّهَا المسلِمون، من علامة التوفيق والفلاح والزلفى والنجاح أن يُرزق العبد اليقظة في حياته الدنيا، فلا تراه إلا حذرًا، ولا تراه إلا لنفسه محاسبًا، ولا تراه إلا خائفًا، خائفًا أن يزلّ قلبه بعد الثبوت، ذلك دأبه في ليله ونهاره، في سره وجهاره، يفر بدينه من الفتن، يجأر إلى ربه في دعائه،، ومناجاته، يسأله الثبات، وحاله ومناجاته {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.




المؤمن يعيش بين الخوف والرجاء، يخاف ويشتد خوفه من أزمنة الفتن العصيبة، تزينت للناس بلباس مزخرف، ولم ينجُ منها إلا من ثبته الله وعصمه.
وأحدثكم اليوم عن فتنة عريضة وتهاون كبير، ما تركت بيتًا إلا ولجته، ولا مؤمنًا إلا مسته فتنة، سقط منها ساقطون ونجى فيها ناجون، ألا وإنها فتنة المسايرة، فتنة التأثر بالواقع، مسايرة العادات، ومراعات رضا الناس وسخطهم في العبادات والمعاملات وبعباره أخرى (كل الناس يفعلون هذا)، (هذا هو فعل الناس).
إنه التأثر بالناس، ومسايرة الناس وتقليد الناس، مشكلة مجتمعية عظيمة، أثرت على الصغير والكبير، وكلفتنا الكثير والكثير، ضيعنا تميز المؤمنين وقوة المسلمين وعزة الصالحين.
الدنيا غرارة، والأحوال غدارة، كادت أن تؤثر على الرسول-صلى الله عليه وسلم- لولا تثبيت الله {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} إذًا  كيف بغيره؟!
حياة التقليد لحياة الناس، والمتابعة لجديد الناس، والتأثر بهم، حتى إن كان لله مغضبًا ولشرعه متجاوزًا،  قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَى اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ، رَضِيَ الله عَنْهُ، وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ، سَخَطَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عليه الناس» رواه الترمذي.
الهوى يغلب النفوس ويطمس البصيرة ويعيش المرء للناس تبع.
تتنوع المسايرة بين مسايرة في الكبائر والصغائر وتتبع الرخص وزلات العلماء، اتباعًا للهوى تارة، أو خوفًا من الخروج عن المألوف تارة.
والمؤمن ليس إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسن، وإن أساءوا أساء، بل إن تحسنوا أحسن، وإن أساءوا اجتنب إساءتهم.
بدل أن يعيش الناس لدينهم أصبحوا يعيشون لدنياهم، طفت على السقف وظهرت على السطح، مسايرة الواقع الاجتماعي منها ما هو مخالف للعرق، أو للشرع، أو للمروءات، تحت مظلة الموضة، وانقيادًا للإعلام، فتركنا عزتنا.
ونحن أناسٌ لا توسطَ بيننا
لنا الصدرُ دون العالمين أو القبر
تَهونُ علينا في المعالي نفوسُنا
ومن يَخْطُب الحسناءَ لم يُغْلِها المهر
أَعَزُّ بني الدنيا وأعلى ذوي العلا
وأكرمُ مَن فوقَ التراب ولا فخر
{ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}.
ومن مظاهر المسايرة التفاخر بوجود الخادمات وسائقي السيارات، وربما دون ضرورة أو حاجة، والخادمة بين أهل البيت وكأنها محرم لأهله، والسائق ينفرد بالنساء ذهابًا وإيابًا، وعند النصيحة والعقاب، الجواب: "كل الناس هكذا".
ومن المظاهر: انتشار آلات اللهو واللعب كأجهزة الأطفال المتكاثرة، والتلفزيونات المتوفرة، امتلأت بها البيوت، كانت بضابط ثم أصبحت من غير محاذير أو ضوابط، بعد أن كانت تفتح على القرآن والحديث وشيء من المباحات، خاض الناس في المحرمات، انهزام مرة، وضعف في الدين مرة، وتغير أحوال أخرى، والدليل على الحل:" كل الناس عندهم".
ومن المظاهر: انتشار صور ذوات الأرواح، امتلأت بها المنازل، وعجت بها المساكن، حتى خلت منها الملائكة وكثرت فيها الشياطين. انتشار التصوير حتى للنساء في أوضاع طبيعية وغير طبيعية، وللفتيات في الاستقرام والسنابات دون خوف على نفس أو عار، والحجة: "كل الناس هكذا".
 فصار أمرًا مألوفًا إعطاء الجوالات للبنات دون مراقبة أو متابعات، والمتخلف كل ممتنع عن المبادرات.
وانتشار المفاخرة في المناسبات، أفراح في قصور تارة، وفي فنادق تارة، وما فيها من منكرات، لبس فاضح وموسيقى، وعزف محرم، ناهيك عن الاستعراض والمفاخرة في اللباس والمأكل والمشارب، والمعروضات... وأما الحجاب فلعب به بعض النساء، وتساهل فيه الأولياء حتى عبث به أيما عبث، والله المستعان، والداعي هو الترف ومسايرة الناس، والخوف من النقد المجتمعي، ولوجًا في صراعات الموضات، وقلّ من ينجوا من ذلك، حتى البيوت الصالحة ونساء الصالحين.
قاوم الرجال ثم هُزموا تحت شعار كل الناس يفعلون، فانقسموا في الديون، ليكون كغيره من الناس، لم يعد يرضى بسيارته الجيدة خوفًا من الناس، ولا منزله المناسب مسايرة للناس، ناهيك عن من يغير أثاث منزله سنويًا، وحاجاته فصليًا، يغرق في الديون ثم يرمى في السجون، ثم يحاسب في قبره ويوم البعث والنشور.
من ركب سيارته المناسبة وثوبه المعقول وجعل الأبنية مناسبة مختصرة، رُمي بالبخل تارة، وبالتشدد تارة، وتخلف عن أهل عصره تارة أخرى. جلسات النساء أصبحت ممتلئة بالتفاخر بالأسواق والمشتريات وبالأسفار والمنتزهات، والاستعراض بأثاث البيوتات، ومن لا تجاري تُرمى بالتخلف والرجعية وعدم الفهم.
أيّهَا المسلِمون، ما هذه الانهزامية، والتوسع في البحث عن الرُّخص، والأقوال المهجورة والشاذة، مع المسايرة والتبعية {خَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.
وترك المسايرة في حق العلماء وطلبة العلم النبلاء أهم وأوجب، إذ منهم تستمد القدوة وهم ورثة الأنبياء وبهم يتأسى الناس.
فهم مَن يؤثرون لا مَن يتأثرون، مَن يوجهون وينصحون، يأخذون الكتاب بقوة ويستمسكون بالدين {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ بصمودهم وصبرهم رغم المتغيرات تثبت الأمة وتنزع عنها الزّلة. إنهم لا يستسلمون لضغوط الواقع وأهواء الناس وكلامهم وقيودهم.
عباد الله، ليس القصد المنع من نعم الله والاستمتاع بفضل الله، والأخذ من المباحات بقدر، كلا، فالله يقول {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
بل القصد الموازنة وترك الشبهات خشية من الوقوع في المحرمات، والتخفيف من المباحات التي تكون ذريعة لتحمل الديون والاشتغال عن العبادات.
إن خير من فهم هذه الدنيا بعد نبيها، فِهم السلف الصالح لها من مجاهدة النفس في هذه الدنيا، وعدم التوسع في الدنيا.
بل كانوا مشغولين بعبادة الله، والتطلع إلى مرضاة الله، هممهم عالية، ونفوسهم زاكية، طلقوا الدنيا، وابتاعوا الآخرة، ولم يطلقوا لأنفسهم العنان في الرغبات، ولا انغماس في الملذات {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

بارك الله لي ولكم 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ الدكتور / راشد الشهري | تطوير : Abu Faisal 0567772728 | تصميم : Abdo Hegazy